وأمّا مسألة لحوق قبائل منَ المسلمين بالمشركين وعبادتهم للأصنام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم مباشرةً فهذا ثابتٌ ومعروف ، وإنكار ذلك الدَّعِيُّ لها إمّا لشدّة جهله وغفلته ، أو لأنّ معظم تلك القبائل كانت في بلاده التي يسعى لترويج الشرك بالله فيها ، فهو لا يريد أن يلفت انتباه الناس لذلك كي لا تضعُف دعايته.
فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتّى تضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نساء دوس على ذي الخَلَصَة ، وذو الخلصة طاغيةُ دوسٍ التي كانوا يعبدون في الجاهلية "
ورواه الإمام مسلم بلفظ: " لا تقوم الساعة حتّى تضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نساء دوس حَوْلَ ذي الخَلَصَة " وكانت صنماً تعبُدُها دَوْسٌ في الجاهليّة بتَبَالَة. انتهى
جاء في شرح الحديث عند النووي والاُبّي: والمراد تضطرب من الطواف حول ذي الخلصة أي يكفرون ويرجعون إلى عبادة الأصنام وتعظيمها ، وأمّا ذو الخلصة فهو صنمٌ كانت تعبده دوس بتبالة ، موضِعٌ في اليمن ، وليست التبالة التي يُضرَب بها المثل ويُقال " أهون على الحجاج من تبالة " لأنّ تلك بالطائف.
قال ابن اسحاق: ذو الخلصة بيتٌ فيه صنمٌ يسمّى ذا الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ، وكان يُسمّى الكعبة اليمانيّة ، بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلي فحرقه. انتهى
وقبيلةُ دوس هي من قبائل الأزد التي سكنت اليمن ، وكانت في الجاهليّة تعبد الأصنام ، وصنمهم هو ذو الخَلَصَة ، وكان مروةً بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج ، وموضعه بتبالة في اليمن ، وكانت خثعم وبَجيلة وأزد السَّراة تُعظّمه وتُهدي له. وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدت قبائل عدّة من الأزد ،كأزد عُمان الذين أرسل إليهم أبو بكر الصدّيق حُذيفة بن محصن وعرفجة البارقي وعكرمة بن أبي جهل ، فكانت الغلبة للمسلمين وولّى المرتدون الأدبار. وتجمّع قومٌ مِنَ الأزد مع بجيلة وخثعم بشنوءة مِنْ أرض اليمن بقيادة حُميضة بن اليمان ، وقد ارتدوا عن الإسلام ، فبعَثَ إليهم عاملُ الطائف بعثاً التقى بهم في شنوءة ، فشتت جموعهم وفرّقهم عن حُميضة. انتهى ملخّصاً من الموسوعة العربية ج2 صـ9