اختلف في سبب نزول آيات سورة التحريم على قولين مشهورين :

أصحهما : ما ورد في الصحيح وساقه ابن كثير وأتينا به في مداخلتنا السابقة ، فقد روى البخاري وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً فتواصيت أنا وحفصة إن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له ، فقال : لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود " وفي رواية " وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً " فنزلت { يا أيها النبى لِمَ تُحَرّمُ } الخ ، وفي رواية " قالت سودة : أكلت مغافير؟ قال : لا قالت : فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال : سقتني حفصة شربة عسل ، فقالت : جرست نحلة العرفط " فحرم العسل فنزلت ، وفي حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة شرب العسل في بيت حفصة ، والقائلة سودة وصفية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل فدخل على عائشة فقالت : إني أجد منك ريحاً فدخل على حفصة فقالت : إني أجد منك ريحاً فقال : أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه " فنزلت

وقال الإمام النووي - رحمه الله - في شرحه صحيح مسلم : (( الصحيح أن الآية في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين ، ولم تأت قصة مارية في طريق صحيح )) ..

القول الثاني : ما عند النسائي والحاكم (وصححه) وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة ، حتى حرمها على نفسه ، فأنزل الله عز وجل { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى آخر الآية .. وقال الإمام الألباني في : ( صحيح النسائي ) : إسناده صحيح .. كما صححها الوادعي في صحيح أسباب النزول .. ويعضدها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى : { يا أيها النبي لم تحرم ......... } فقال : نزلت هذه في سريته (صحيح أسباب النزول)

فها هنا ، في القولين لم يأت لذكر لما أتى به الضيف الكاذب المدلس من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رشى زوجته حفصة رضي الله عنها بتبشيرها أن عمر رضي الله عنه أباها سيتولى الخلافة من بعد أبي بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل إن هذه الرواية التي ذكر فيها ذلك قد قال عنها ابن كثير : (في إسناده نظر) وضعفها ابن حجر في ( الفتح ) و الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) ..

لكن .. تأتي آية سورة التحريم ضاربة ضيفنا في مقتل ، إذ إنها تثبت تحليل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم مارية القبطية وهو عكس ما يرمي إليه ضيفنا .. فبعد إذ حرمها الرسول على نفسه نزل قول الله تعالى : { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } على القول الثاني ..