الرب يتعب:
لسان المؤمنين يلهج بتعظيم الله U وتوقيره، ومن أذكارهم العطرة الدالة على ذلك: (سبحان الله), أي: تنزَّه الله عن كلِّ نقصٍ ومعرَّة. ومن مسلمات أولي النهى أنَّ التَّعب والإرهاق نقص وعيب في حقِّ الله I. ويهود هم قوم بهتٍ وزور, فقد افتروا على الله الكذب عند زعمهم أنَّ الله Y قد مسَّه التعب عندما فرغ من خلق السموات والأرض وانتهى؛ فكذَّبهم الله في زعمهم بحقِّه, فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾, (ق: 38). واللغوب: التعب والإعياء.
قال قتادة والكلبي: هذه الآية نزلت في يهود المدينة، زعموا أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فجعلوه راحة، فأكذبهم الله تعالى في ذلك. ثمَّ أمر الله U نبيَّه محمدًا e بالصبر على إفكهم وبهتانهم, فقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. أي: فاصبر على ما يقوله اليهود من قولهم: إن الله استراح يوم السبت. بل وأمره بتنزيهه في أمَّهات الأوقات وأفضلها, فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.
وهنا, أردت أن أبيِّن تحريف (العهد القديم) من خلال اشتماله على صفاتٍ تتناقض مع الألوهية؛ ذلك أنَّ كتاب الله لا يشمل صفاتٍ تتناقض مع ألوهيَّته. وأول الأمر, كان لا بدَّ من دحض هذا الإفك الذي افتراه يهود على الله U!!
المتتبع للعهد القديم يجد أنَّه ينفي اللغوب عن الله, ودليل ذلك: }إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا{, (سفر إشعياء, ح: 40, ع: 28). فنفي التعب والإرهاق عن الله سافر في هذا النص. ولكنَّنا إن دأبنا في تتبعنا نلفي هذا الإفك منثورًا في صفحات العهد القديم, ودليل ذلك: }وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَمِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا{، (سفر التكوين, ح: 2, ع: 3). وكذلك: }لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ{، (سفر الخروج, ح: 20, ع: 11). وكذلك: }لأَنَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ اسْتَرَاحَ وَتَنَفَّسَ{، (سفر الخروج، ح: 31، ع: 17).
لم يرَ اليهود بأسًا في أن يتعب ربُّهم ويكلُّ ويعيا, ولكنَّهم وضعوا المسيحيين في مأزق كبَّار, ألحق بهم الخزي والعار؛ لأنَّ ربَّهم يتعب؛ فتهالك المسيحيون إلى نفي هذه الصفة عن ربِّهم مع أنَّ اليهود لم ينفوها!! فتارةً يقول المسيحيون: (راحة الله في اليوم السابع إنما تعني فرحه وبهجته بخلقة الإنسان في اليوم السادس بعد أن أعد له كل احتياجاته قبل أن يجبله), وتارةً يقولون: (إنها الراحة الخاصة بإتمام العمل أو إكمال العمل), ولعلَّ هناك رأيًا ليس هذا أو ذاك.
الحقَّ أقول لكم: إنَّ المسيحيين من تحريف اليهود يعمهون, ولم يروا بدًّا من قبول التخاريف التي اشتملها العهد القديم؛ لأنَّ الطعن بها يعني الطعن في دينهم. ولكنَّنا ألفينا (هنري واسكات) ينقل في تفسيره_المجلد الأول قول (اكستاين) بهذا الشكل:" إن اليهود قد حرفوا النسخة العبرانية في بيان زمان الأكابر الذين كانوا قبل زمن الطوفان وبعده إلى زمن موسى عليه السلام، وفعلوا هذا الأمر لتصير الترجمة اليونانية غير معتبرة، ولعناد الدين المسيحي، ويعلم أن القدماء المسيحيين كانوا يقولون مثله، وكانوا يقولون: إن اليهود حرفوا التوراة في سنة مائة وثلاثين من الميلاد". والآن نشرع في دحض رأيي المسيحيين الذين حاولوا من خلالهما تفسير لفظ (استراح).
· يقول أصحاب الرأي الأول: (إنها الراحة الخاصة بإتمام العمل أو إكمال العمل), وهذا قول باطل عاطل, ودليل ذلك:
1. لقد ألفينا نصًّا يدحض تأويلهم, ألا وهو: }وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ{, (سفر التكوين, ح: 2, ع: 3). فهذا النصُّ ترتبت فيه راحة الرب على انتهاء عمله وإكماله؛ فجاءت الراحة بعدما فرغ من عمله وانتهى منه وأتمَّه وأكمله. إذن, هذا نصٌّ يدرأ تأويلكم الفاسد للفظ (استراح).
2. وثمَّة نصٌّ آخر يدحض تأويلهم, ألا وهو: }لأَنَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ اسْتَرَاحَ وَتَنَفَّسَ{، (سفر الخروج، ح: 31، ع: 17). فقد جاءت لفظ (استراح) مقرونًا بلفظ (تنفس), وهذا يقطع في أنَّ لفظ (استراح) تعني طلب الراحة بعد الإعياء واللغوب. جاء في معجم الصحاح: وأراح: تنفس. وقال امرؤ القيس:
لها مَنْخَرٌ كوِجارِ الضِباع ... فمنه تُريحُ إذا تَنْبَهِرْ
أي إن لفظ (تنفس) إذا اقترن بلفظ (استراح) فلا يدلُّ إلا على طلب الهدوء والرفاهية للجسد بعد إعيائه.
3. للفظ معنى لغوي أو معنى عرفي أو معنى شرعي, وبعد تتبع معاني (استراح) في اللغة العربية لم أجد لها استعمالا يدلُّ على أنَّها تأتي بمعنى (أكمل) أو (انتهى), بل هذا معنى دخيل مختلق, لا أصل له. فالراحة والاستراحة ضد التعب, ولجذر (ر_و_ح) عشرات المعاني، ولكنَّه لا يوجد معنى لها هو انتهى أو فرغ أو أتم أو أكمل!! إذن, لا قيمة لكلامكم؛ لأنَّكم فسرتم لفظ (استراح) بتفسير لم تعهده العرب, ولا حجة لكم من دون لسان العرب.
4. الترجمة الإنجليزية استخدمت لفظ (rest), ومعناه (استراح), فالترجمة الإنجليزية تؤكِّد على أنَّ لفظ (استراح) هي ضد التعب, يقال: (أراح الرجلُ: رجعت إليه نفسه بعد الإعياء). والنصُّ كاملا هو:
And he rested on the seventh day from all his work which he had made.
وبما أنَّ اللغة المترجم عنها هي غير اللغة العربية, فهذا دليل قاطع على أنَّ استخدام الكلمة من حيث هي إنما يؤكِّد نقيصة في الذات الإلهية. سبحان الله وتعالى عمَّا يفتري الأفَّاكون علوًّا كبيرًا!!
5. وقاصمة الظهر هذا النص: }لأَنَّ الَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ اسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا اللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ{, (الرسالة إلى العبرانيين, ح: 4, ع: 10). الاستراحة من الأعمال تكون بالتخلص من أتعابها وهمومها ومزاولتها, فالذي يدخل الراحة يستريح من تعب أعماله وهمومها وملازمتها. والقاصمة تكمن في هذه اللفظة (كما)؛ لأنَّها تشبِّه استراحة الإنسان باستراحة الله, ولمَّا كان الشبه لا يجوز من دون وشائج, ثبت أنَّ الله تخلَّص في اليوم السابع من تعب الخلق وهمومه!! ومن قال غير ذلك؛ فإنه يبطل عمل اللفظ (كما), وهذا لا يجوز.
· يقول أصحاب الرأي الثاني: (راحة الله في اليوم السابع إنما تعني فرحه وبهجته بخلقة الإنسان في اليوم السادس بعد أن أعد له كل احتياجاته قبل أن يجبله), وهذا قول باطل عاطل, ونقول فيه ما قلنا في سابقه. والله الموفق.
وعليه, فهذه هي نقيصة (تعب الرب) التي افتراها يهود على الله I, وقد آلت محاولات المسيحيين إلى تباب, فالأمر محسوم, فلا مجال لذلك, بل كيف لهم أن ينكروا صفة يؤمن بها اليهود ولا ينكرونها؟! بل كيف ينكرون صفةً جاء بها كتابهم: }فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ{، (إنجيل يوحنا, ح: 4, ع: 6)؟! فربُّكم يسوع يتعب, فكيف تنكرون تعبه المقدس, أيها المسيحيون؟!
وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾, (الزمر: 67). أيها المسيحيون, ما قدرتم الله حقَّ قدره!!
المفضلات