الرب يوسوس له الشيطان:
إذا ما تجاوزنا دهشة العقول ومشاعر الحيرة التي اعترتنا ودارت في خلدنا بسبب وسوسة الشيطان للرب، فإنَّ ثمَّة دليلا سافرًا على أنَّ الكتاب المقدس قد نالت منه يد التحريف والتبديل؛ ذلك أنَّ كتاب الله_ كما أومأنا آنفًا _لا يشمل صفات تتناقض مع الألوهية, والمتأمل لسفر أيوب لا يبقى لديه مجال للشك في تحريفه وتبديله, وهاكم الدليل الخريت:
يحدثنا الكتاب المقدس عن وسوسة الشيطان للرب؛ وتبدأ القصة عندما حضر بنو الله_ حسب زعم كتابهم _؛ ليمثلوا أمام الرب, وقد علم الرب بوجود الشيطان، فلمَّا أراد أن يظهر مرامه من حضوره قال له:«هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ: رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ؟». فبدأ الشيطان يستدرج الربَّ_ تعالى الله عن هذا الإفك _فقال: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ». ثمَّ وسوس له بالآتي: «ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ»؛ فانساق الرب وراء وسوسة الشطان, فقال:«هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ», أي لا توقع عليه الابتلاء, بل على بقره ورعاتهم, وغنمه ورعاتهم, وجماله ورعاتهم, وأولاده وبناته؛ فهلكوا جميعًا!! فذهب الأولاد والبنات والبقر والغنم والجمال ورعاتهم!! فقال أثناء سجوده بعد تمزيق جبته, وجزِّ شعر رأسه: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا». واعتبر الكتاب المقدس أنه (لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً) مع أنَّه (مَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ), وهذا فيه سخط لله, ويتنافى مع التسليم لقضاء الله!! ولكن, لنكمل...!
لقد أعاد الشيطان الكرَّة؛ لعله ينال من الرب وعبده أيُّوب, وقد حصل له ما أراد: فقد اتبع الرب خطوات الشيطان, وأعلن أيوب السخط والعصيان!! وهاكم السلطان المبين:
أحداث هذه الأسطورة المقدسة نسخة عن الأحداث المنصرمة للأسطورة السابقة, ولكنَّ ثمَّةَ اختلافًا بين الأسطورتين. لمَّا أراد أن يظهر مرامه من حضوره قال له:«هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ: رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ».
أيُّها المسيحي, ذا اللبِّ, دَعْ عنك دهشةً اعترت عقلك, ودَعْ عنك حيرةً تمكَّنت من نفسك, وتأمَّل: (وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ)؛ هذا اعتراف صريح من الربِّ يفيد أنَّه قد وقع في فخِّ إبليس؛ ذلك أنَّ إبليس نجح في تهييج الربِّ على عبده أيوب من دون سبب, من دون سبب, من دون سبب: (لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ)!!
ولكنَّ إبليس لم يأبه بذلك, فاستدرج الرب قائلا: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ». ثمَّ وسوس له بالآتي: «ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ»؛ فانساق الرب وراء وسوسة الشطان, فقال: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ», أي لا تدعه يموت, وكأنَّ الموت والحياة بيد الشيطان!! ما هذا أيُّها الرب؟!
ضرب الشيطان أيوب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته, فصبر بادئ الأمر, حتى إنَّه قال لامرأته عندما قالت له: «أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!»_قال لها: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! آلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟», وهذا كلُّه يدل على صبره. ثمَّ أخذ أيوب يفتح فاه مجدِّفًا في وجه الرب!! وفاز الشيطان؛ ذلك أنه أوقع الرب في فخِّه, وأوقع أيوب في شَرَكِه!!
أيُّها المسيحيون,
يختلج صدري شعور عارم تجاه تخاريف كتابكم, وكلمة واحدة:
أين عقولكم؟!!