الرب يندم:
حتى نقطع السبل أمام المتمحلين المتنطعين, فإنَّنا سنورد حقيقة النَّدم؛ لنثبت أنَّه نقيصة في حقٍّ الإله. يقول أبو البقاء: (حقيقته أن يلوم نفسه على تفريط وقع منه), وقال الزمخشري: (هو الغم اللازم؛ إذ يندم صاحبه لما يعثر عليه من سوء آثاره). وقال غيرهما: (غم يصحب الإنسان, يتمنى أن ما وقع منه لم يقع). وهذه الصفة_ أي صفة الندم _لا تتعارض مع حقيقة الإنسان العاجزة والناقصة والمحتاجة؛ لذلك ترى آدابهم زاخرةً بهذا الوصف, ومن أمثالهم: (ندمت ندامة الكسعي), وقصة هذا المثل هي:
كان الكسعي_ وهو غامد بن الحارث _يرعى إبلاً له بواد كثير العشب والخَمْط, فبينا هو يرعاها بصر بنبعة في صخرة, فقال: ينبغي أن تكون هذه النبعة قوساً, فجعل يتعهدها ويقومها في كل يوم حتى إذا استوت وأدركت قطعها وحفَفَّها, واتخذ منها قوساً, وأنشأ يقول:
يا ربِّ وفقني لنحتِ قَوْسي ... فإنّـهـا من لَذَّتي لنفسي
ثم خطمها بوتر, واتخذ من بُرايتها خمسة أسهم, وأنشأ يقول:
هـنَّ وربي أسـهمٌ حِسانُ ... يَـلَـذُّ لـلرامي بها البَنانُ
فأبشروا بالخِصْبِ يا صبيانُ ... إن لم يَعُقْني الشُّؤْمُ والحِرمانُ
ثم أتى قُتْرَة ًعلى مواردِ حمير, فمرَّ به قطيع منها وهو كامن في القترة, فرمى عَيْراً منها بسهم فأصابه وأَمْخَطَه السهم, أي نفذ منه, فصار إلى الجبل؛ فأورى فيه ناراً, فظن أنه أخطأ ولم يصب, فأنشأ شعرًا. ثم مرَّ به قطيع آخر منها, فرمى عيراً منه بسهم فأصابه, ونفذ السهم منه إلى الجبل وصنع مثل صنيعه؛ فأنشأ شعرًا. ثم مرَّ به قطيع آخر, فرمى عَيْراً منه بسهم فأصابه, ونفذ السهم منه إلى الجبل وصنع صنيعه, فأنشأ شعرًا. ثم مرَّ به قطيع آخر, فرمى عَيْراً منه بسهم فأصابه, ونفذ السهم منه إلى الجبل وصنع صنيعه, فأنشأ شعرًا. ثم مرَّ به قطيع آخر, فرمى عَيْراً منه بسهم فأصابه, وصنع مثل صنيعه الأول, فأنشأ يقول:
أبعد خَمْسٍ قد حفظتُ عدَّها ... أحملُ قوسي وأريد رَدَّها
أخزى الإِلهُ لِينَها وشدَّها ... واللهِ لا تسلُم مني بعدَها
ولا أُرَجَّي ما حَييتُ رِفْدَها
ثم أخذ القوسَ فضرب بها حجراً فكسرها, ثم بات, فلمّا أصبح نظر فإذا الحُمرُ مُطَرَّحة حوله مُصرَعَّة, وأسهمه بالدماء مُضَرَّجَة, فأسف وندم على كسره القوس, وقطع إبهامه, وأنشأ يقول:
نَدِمْتُ ندامة ً لو أنّ نفسي ... تُطاوعني إذاً لقطعتُ خَمْسي
تبيَّنَ لي سَفَاهُ الرأيِ مني ... لَعَمْرُ أبيك حينَ كسرتُ قوسي
وضربت العرب بندامة الكسعي المثل. ثمَّ أخذ الشعراء المثل غير مرة,
فهذا عدي يقول:
نَـدِمتُ نَدامةَ الكُسَعيّ لمَّا ... رأتْ عينـاه ما فَعَلتْ يداهُ
وهذا الحطيئة يقول:
نَدِمتُ نَدامةَ الكُسَعيّ لمَّا ... شربتُ وصابني سَهم بن عمرو
وهذا الفرزدق يقول:
نَـدِمتُ نَدامةَ الكُسَعيّ لمَّا ... غَـدَتْ منِّي مُـطلَّقةً نوارُ
وغير هذا كثير, وكلُّ ندمهم يتناسق مع طبيعتهم البشرية المجبولة على الضعف والعجز والقصور. ولكن:
· هل يجوز في حقِّ الإله أن يفرِّط في أمر؛ ليندم عليه؟!
· هل يجوز في حقِّ الإله أن يخطئ التقدير؛ ليندم على ذلك؟!
· هل يجوز في حقِّ الإله أن يتمنى عدم وقوع أمره؛ فيندم على وقوعه؟!
· ما لكم, كيف تحكمون؟!
والآن نطوف في أروقة العهد القديم؛ لنقصَّ عليكم تخاريف الأولين في حقِّ ربِّ العالمين:
v فَجَعَلَ الرَّبُّ وَبَأً فِي إِسْرَائِيلَ، فَسَقَطَ مِنْ إِسْرَائِيلَ سَبْعُونَ أَلْفَ رَجُل. وَأَرْسَلَ اللهُ مَلاَكًا عَلَى أُورُشَلِيمَ لإِهْلاَكِهَا، وَفِيمَا هُوَ يُهْلِكُ رَأَى الرَّبُّ فَنَدِمَ عَلَى الشَّرِّ، وَقَالَ لِلْمَلاَكِ الْمُهْلِكِ: «كَفَى الآنَ، رُدَّ يَدَكَ». يا لك من ربٍّ غير حكيم!! هل تجهل آثار سخطك وغضبك حتى تندم على ما أمرت؟! أفٍّ لك من ربٍّ يفتقد الحكمة!! (الله بريء من هذا الإفك المنسوب له)
v فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. ألهذه الدرجة أنت تجهل الغيب يا رب؟! لو كنت تعلم الغيب؛ لما قصدت أن تصنع لها الشر, ولما أحرجت نفسك أمام ملائكتك وعبيدك؛ لتندم!!!!
v فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، فَلاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِي، فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ. ألهذه الدرجة أنت تجهل الغيب يا رب؟! لو كنت تعلم الغيب؛ لما قصدت أن تصنع لها الخير, ولما أحرجت نفسك أمام ملائكتك وعبيدك؛ لتندم!!
v لأَنِّي نَدِمْتُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي صَنَعْتُهُ بِكُمْ. وماذا ينفع الندم أيُّها الرب؟! لقد أنزلت بهم سخطًا ثمَّ ندمت؟! أنت إله تنقصك الحكمة والمعرفة!!
v لأَنَّ الرَّبَّ نَدِمَ مِنْ أَجْلِ أَنِينِهِمْ بِسَبَبِ مُضَايِقِيهِمْ وَزَاحِمِيهِمْ. هذا يدل على عجزك أيُّها الرب!!
v أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ. لقد ندمت كثيرًا أيُّها الرب, فما فائدة أنك لن تندم هذه المرة؟!
v وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ قَائِلاً: «نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي». يا لك من ربٍّ تجهل الغيب, فهل أنت إله حقٌّا؟! ألم تعلم أنه لن يقيم كلامك؟!
v وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ. ويجب أن تندم إسرائيل؛ لأنَّها عبدت ربًّا قاصرًا مثلك!!
والآن, قاصمة الظهر:
القاعدة الذهبية التي نصبها ربُّ السماء, وأقرها العقلاء, وارتضاها الفضلاء, وتشاطرها الشرفاء, تكمن في معجزة خير الأنبياء, ألا وهي: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وتناغمًا مع هذه الحقيقة المطلقة؛ فإنِّي سأقيم أمرين, ألا وهما:
1. تناقض كتاب تخاريف الأولين.
2. تبرئة رب العالمين من تخاريف الأولين.
وهذان الأمران يتحققان بهذه النصوص الناطقة صدقًا وعدلا:
v لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. أرأيتم أيُّها المسيحيون, لقد وضعكم اليهود بين المطرقة والسنديان؛ فإن كفرتم بكتابهم انهار دينكم, وإن آمنتم به ألصقتم نقائص الأولين برب العالمين!! أرأيتم أيُّها الفضلاء, الله ليس ابن إنسان حتى يندم؛ فالندم محصور في الجنس البشري, وليس بذي الحكمة والعلم والصلاح, خالق الخلق!! وعليه, الله ينفي عن نفسه الندم. ولمَّا ألفينا نصوصًا تثبت الندم لله, أثبتنا التناقض في تخاريف الأولين, وأثبتنا كذب يهود على رب العالمين.
v وَأَيْضًا نَصِيحُ إِسْرَائِيلَ لاَ يَكْذِبُ وَلاَ يَنْدَمُ، لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا لِيَنْدَمَ. هذه حجتنا تنطق عليكم بالصدق والحق, فكيف تنسبون لله نقيصة الندم يا يهود؟!! وكيف تؤمنون_ أيها المسيحيون _بكذب أبناء القرود على الرب المعبود؟!!
v أَنَا الرَّبَّ تَكَلَّمْتُ. يَأْتِي فَأَفْعَلُهُ. لاَ أُطْلِقُ وَلاَ أُشْفِقُ وَلاَ أَنْدَمُ. ولكنَّ يهود أبوا إلا أن يلصقوا بك نقيصة الندم, والمسيحيين أبوا إلا أن يؤمنوا بتخاريف الأولين في حقِّ ربِّ العالمين!!
v لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: ... قَصَدْتُ وَلاَ أَنْدَمُ وَلاَ أَرْجِعُ عَنْهُ. الرب لا يندم, وتخاريف الأولين تثبت الندم, فهل هذا كتاب لا يعتريه دخن؟!
مسألة:
لقد حاول بعض من أشربت قلوبهم الكبر والبغضاء أن يثبت الندم لله, بل أشدَّ الندم, وهو الحسرة, وقد استندوا فيما يزعمون على قول الله Y: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، (يس: 30). وزعموا: إنَّ الله يتحسر على عباده. ولنفي تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين فإني قائل:
(يا) هنا للتنبيه, وهي تنبِّه على استحقاق الحسرة على العباد الذين يكذبون الرُّسل, والتنبيه منوط بالمتحسرين والمستهزئين, أي: يا من تتحسَّرُ, تحسَّرْ على المستهزئين برسلي؛ لما سيحيق بهم من غضبي وسخطي ويحلل. ويا من تستهزئُ برسلي تحسَّرْ على نفسك؛ لما سيحيق بك من غضبي وسخطي ويحلل!!
إذن, ليس المتحسِّر هو الله, بل هم من حق لهم التحسر, سواء على أنفسهم أو غيرهم. وقد أخبرنا الله عنهم, فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، (الأنعام: 31). وهذا هو المقصود من قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾؛ فهو يريد تذكيرهم بحالهم يوم القيامة.