بسم الله الرحمن الرحيم

بعض الناس عندما يختلف مع أخيه في مسألة علمية أو عملية يسارع إلى التهمــة وإســــاءة الظن، وينسى حقـوقه التي أمر الله ـ تعالى ـ برعايتها وحفظها.

وربمـا أدى هــذا الاختلاف ـ عند بعضهم ـ إلى قطيعة تامـة؛ فلا يحفظ مكانة لعالم، ولا سابقة لداعية، ولا فضلاً لصاحب بر وصلاح، بل يُسقِط ذلك كله بخطأ واحد أو خطأين، قد يكون الصواب فيه مع الآخر..!!

ويزداد ضيق الأفق ويُغشي على رؤية بعض الناس، حتى إن بعضهم ـ غفر الله لنا ولهم ـ قد لا يرفع رأسه إلا عند الاختلاف وظهور الفتن؛ فيطير بها فرحاً، ويسعى لإثارة الخلاف وإشاعة السوء بين العلماء والدعاة، ويُذكي روح العداوة والشقاق؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لأحد الرجال: «لقد كانت الجماعة فكنتَ فيها خاملاً؛ فلما ظهرت الفتنة نجمتَ فيها نجوم قرن الماعز»(1).

وكلما رقَّ دين العبد وقلَّ ورعه أطلق لسانه في أعراض الفضلاء، وتجرأ على جرح العلماء والدعاة وتنقُّصِهم، بل وسبِّهم، فأهون شيء عليه أن يتطاول على الكبار، ولذلك بريق خاص عند بعض النفوس المريضة. قال أبو تراب النخشبي: «إذا أَلِفَ القلب الإعراض عن الله؛ صحبه الوقيعة في أولياء الله»(2).

ومن لطائف الأعذار وحسن الظن ما ذكره المولى ـ جلّ وعلا ـ عن النملة، {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]، قال العلاَّمة عبد الرحمن السعدي: «وعرفتْ حالة سليمان وجنوده، وعظمة سلطانه، واعتذرتْ عنهم أنهم إن حطموكم؛ فليس عن قصد منهم ولا شعور»(3).

إنَّ الأمة الإسلامية أحوج ما تكون في هذا الوقت إلى التآلف والترابط، والعلماء والدعاة هم أوْلى الناس بذلك، ولن يستقيم حالهم إلا بحسن الظن والتماس العذر اللذين يدلان على صفاء القلب وكمال العقل، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس أحد أحب إليه العذر من الله».

ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

-----------------------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (1/ 120).
(2) مسألة الاحتجاج بالشافعي، للخطيب البغدادي، ص 43. نجمتَ: ظهرتَ.
(3) تيسير الكريم الرحمن، (5/ 569).

,iJJl gh daJuJJv,k!