غاليتي.. ربما لم تكتشفي بابكِ بعد!

كم مرة شعرتِ بالتقصير وأنتِ ترين أختًا تحفظ كتاب الله، وأختًا تقوم الليل، وأختًا تسارع إلى الصدقات؟ كم مرة نظرتِ إلى ما بلغنه، ثم التفتِّ إلى نفسكِ، فلم تري إلا ما فاتكِ وعجزتِ عنه، حتى نسيتِ ما فتح الله عليكِ به؟

يا غالية.. إن أبواب الخير كثيرة، والناس يتفاوتون فيما أُعينوا عليه ووفِّقوا إليه، وليس بالضرورة أن تجتمع كل خصال الخير في شخص واحد؛ فلكلِّ واحدةٍ قدراتها، وظروفها، وما يسّره الله لها من أبواب الطاعة والإحسان.. والغاية، أن تعرفي كيف تسيرين إلى الله بما وهبكِ، دون أن تغفلي عمّا تستطيعين اكتسابه وتنميته من الخير.

تأمّلي معي هذا الترابط العجيب.. تلك التي تقضي الساعات مع كتاب الله، قد لا يتيسر لها من الإنفاق وبذل المال ما يتيسر لغيرها.. وفي المقابل، تلك التي وسّع الله عليها في المال، ففتحت باب الصدقات، قد تكون ظروفها الصحية أو مسؤولياتها عائقًا أمام بعض العبادات التي تحتاج جهدًا بدنيًا كبيرًا، فتجتهد فيما تستطيع، وتبذل من مالها لسد حاجات الناس وتفريج كربهم.

وليس معنى هذا أن يستغني أحدنا بباب عن سائر أبواب الخير، وإنما أن يعرف ما يستطيع أن يقدّمه الآن، ثم يظل قلبه مفتوحًا لكل خير تيسّر له.

وقد ترين أختًا فتح الله عليها في الدعوة والبيان، تملك لسانًا بليغًا يؤثّر في قلوب الناس.. فإذا كنتِ لا تملكين موهبة الكلام والخطابة، فتذكّري أن لسانكِ يمكن أن يكون بابًا آخر من أبواب الخير؛ بالكلمة الطيبة التي تجبرين بها الخواطر، وبمجاهدة نفسكِ في حفظه عن الغيبة والوقيعة في الأعراض، وبالصمت حين تخشين أن تؤذي أحدًا بكلامكِ.

أليس جبر قلوب الناس وكفّ الأذى عنهم من أبواب الخير العظيمة التي يُرجى بها الأجر ورفعة الدرجات؟

وحتى في علاقتكِ بالقرآن الكريم.. قد لا تستطيعين الجلوس طويلًا في حلقاته وحفظ آياته كما تفعل الأخريات، لكنكِ تجعلين من رعاية بيتكِ وأبنائكِ بابًا عظيمًا للبر والإحسان؛ فتوظّفين وقتكِ معهم في تذكيرهم بحقوق الله، وتأخذين بأيديهم نحو الصلاة، وتشجعينهم على مواظبة الاستماع إلى كتاب الله.

فأنتِ بذلك تجعلين من بيتكِ بيئة صالحة تحضر فيها آيات الله كل يوم، وتجمعين بين ما تستطيعين من نصيبكِ من القرآن، وبين أمانة التربية والرعاية التي بين يديكِ.. ولعلّ الله يفتح لكِ، مع تغيّر ظروفكِ واتّساع وقتكِ، أبوابًا أخرى لم تكن متاحة لكِ من قبل.

ولعلّكِ مع كل هذا تواسين مهمومًا، أو تبذلين جهدًا خفيًا لا ينتبه إليه أحد، لكنه عند الله عظيم لا يضيع.

أبواب الخير تشبه جواهر متناثرة في طريق طويل.. قد تلتقط أخت جوهرة فتنتفع بها، بينما تمرّ أخرى بجوار جوهرة مختلفة فلا تنتبه إليها .. وليس المطلوب منكِ أن تجمعي كل الجواهر دفعة واحدة، بل أن تعرفي ما تستطيعين البدء به الآن، بما تملكين من أدوات وقدرات، ثم تواصلي السير.

وتذكّري، غاليتي، ما جاء في الحديث الصحيح، حين أقبل فقراء المهاجرين على النبي ﷺ يشكون أن أهل الدثور، أي أصحاب الأموال الكثيرة، قد ذهبوا بالأجور؛ يصلّون ويصومون كما يصلّون ويصومون، ويتصدّقون بفضل أموالهم.

فدلّهم النبي ﷺ على ذكرٍ يقولونه دبر الصلوات، فكان لهم بذلك بابٌ من أبواب الخير والأجر، دون أن تكون كثرة المال شرطًا لبلوغ هذا الفضل.

فكم من بابٍ للخير قد يغيب عن أعيننا ونحن منشغلون بما لا نملكه، وكم من عملٍ يسيرٍ في أعيننا، يكون عند الله عظيمًا بصدق النية والإخلاص.

لكن انتبهي.. لا يعني هذا أن نركن إلى ما نحن عليه ونكتفي به، بل الغرض ألا يتحول شعوركِ بالتقصير إلى يأس يشلّ حركتكِ، وألا تحجبكِ المقارنة القاسية عن رؤية النعم والقدرات التي بين يديكِ.

انظري إلى نفسكِ بعين الإنصاف، لا بعين جلد الذات.. اعرفي مواضع قوتكِ، واجتهدي في إصلاح مواطن ضعفكِ، ولا تجعلي عجزكِ عن أمرٍ ما سببًا في ترك أمور أخرى تستطيعين فعلها.

ولا تجعلي ظاهر أعمال الآخرين مقياسًا تحكمين به على منزلتكِ عند الله؛ فحقيقة القبول لا نعلمها، والله وحده يعلم ما في القلوب، وما وراء الأعمال من صدق وإخلاص ومجاهدة.

فلا تنشغلي طويلًا بالنظر إلى ما فُتح لغيركِ، حتى تنسي الباب الذي تستطيعين طرقه اليوم.. واسألي نفسكِ: ما باب الخير الذي أستطيع أن أبدأ منه الآن، بما أملك، وفي حدود ما أستطيع؟

ثم امضي في طريقكِ، مستعينة بالله، طامعة في رحمته، مجتهدة فيما تقدرين عليه، راجية أن يفتح لكِ من الخير ما لم يكن يخطر لكِ على بال.
«فنسأل الله أن يفتح لنا من أبواب الخير أوسعها، ويستعملنا ولا يستبدلنا، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه.»
منقول من صفحة لأنك غريبة

gh Hr,n ugn ;g hg'huhj