المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السلسلة الصحيحة للالباني



الصفحات : 1 2 3 4 5 6 7 8 [9] 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124

ساجدة لله
2010-10-11, 11:11 PM
199 " ما أصاب أحدا قط هم و لا حزن , فقال : اللهم إني عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك
ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك , أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ,
أو علمته أحدا من خلقك , أو أنزلته في كتابك , أو استأثرت به في علم الغيب عندك
أن تجعل القرآن ربيع قلبي و نور صدري و جلاء حزني و ذهاب همي . إلا أذهب الله
همه و حزنه و أبدله مكانه فرجا . قال : فقيل : يا رسول الله ألا نتعلمها ? فقال
بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 337 :

رواه أحمد ( 3712 ) و الحارث بن أبي أسامة في مسنده ( ص 251 من زوائده )
و أبو يعلى ( ق 156 / 1 ) و الطبراني في " الكبير " ( 3 / 74 / 1 ) و ابن حبان
في " صحيحه " ( 2372 ) و الحاكم ( 1 / 509 ) من طريق فضيل بن مرزوق حدثنا
أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن # عبد الله # قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و قال الحاكم :
" حديث صحيح على شرط مسلم , إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ,
فإنه مختلف في سماعه من أبيه " .
و تعقبه الذهبي بقوله :
" قلت : و أبو سلمة لا يدري من هو و لا رواية له في الكتب الستة " .‎

قلت : و أبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في " التعجيل " و قال :
" مجهول . قاله الحسيني . و قال مرة : لا يدري من هو . و هو كلام الذهبي في
" الميزان " , و قد ذكره ابن حبان في " الثقات " , و أخرج حديثه في " صحيحه " ,
و قرأت بخط الحافظ بن عبد الهادي : يحتمل أن يكون خالد بن سلمة .
قلت : و هو بعيد لأن خالدا مخزومي و هذا جهني " .

قلت : و ما استبعده الحافظ هو الصواب , لما سيأتي , و وافقه على ذلك الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على المسند ( 5 / 267 ) و أضاف إلى ذلك قوله :
" و أقرب منه عندي أن يكون هو " موسى بن عبد الله أو ابن عبد الجهني و يكنى أبا
سلمة , فإنه من هذه الطبقة " .

قلت : و ما استقر به الشيخ هو الذي أجزم به بدليل ما ذكره , مع ضميمة شيء آخر
و هو أن موسى الجهني قد روى حديثا آخر عن القاسم بن عبد الرحمن به , و هو
الحديث الذي قبله فإذا ضمت إحدى الروايتين إلى الأخرى ينتج أن الراوي عن القاسم
هو موسى أبو سلمة الجهني , و ليس في الرواة من اسمه موسى الجهني إلا موسى بن
عبد الله الجهني و هو الذي يكنى بأبي سلمة و هو ثقة من رجال مسلم , و كأن
الحاكم رحمه الله أشار إلى هذه الحقيقة حين قال في الحديث " صحيح على شرط مسلم
... " فإن معنى ذلك أن رجاله رجال مسلم و منهم أبو سلمة الجهني و لا يمكن أن
يكون كذلك إلا إذا كان هو موسى بن عبد الله الجهني . فاغتنم هذا التحقيق فإنك
لا تراه في غير هذا الموضع . و الحمد لله على توفيقه .
بقي الكلام على الانقطاع الذي أشار إليه الحاكم , و أقره الذهبي عليه , و هو
قوله :
" إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ... " .

قلت : هو سالم منه , فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة , منهم سفيان
الثوري و شريك القاضي و ابن معين و البخاري و أبو حاتم , و روى البخاري في
" التاريخ الصغير " بإسناد لا بأس به عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله
بن مسعود عن أبيه قال :
" لما حضر عبد الله الوفاة , قال له ابنه عبد الرحمن : يا أبت أوصني , قال :
ابك من خطيئتك " .
فلا عبرة بعد ذلك بقول من نفى سماعه منه , لأنه لا حجة لديه على ذلك إلا عدم
العلم بالسماع , و من علم حجة على من يعلم .
و الحديث قال الهيثمي في " المجمع " ( 10 / 136 ) :
" رواه أحمد و أبو يعلى و البزار و الطبراني و رجال أحمد رجال الصحيح غير
أبي سلمة الجهني و قد وثقه ابن حبان " !

قلت : و قد عرفت مما سبق من التحقيق أنه ثقة من رجال مسلم و أن اسمه موسى
بن عبد الله . و لم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم
بن عبد الله بن مسعود به , لم يذكر عن أبيه .
أخرجه محمد بن الفضل بن غزوان الضبي في " كتاب الدعاء " ( ق 2 / 1 - 2 )
و ابن السني في " عمل اليوم و الليلة " ( 335 ) , و عبد الرحمن ابن إسحاق
و هو أبو شيبة الواسطي متفق على تضعيفه .
ثم رأيت الحديث قد رواه محمد بن عبد الباقي الأنصاري في " ستة مجالس "
( ق 8 / 1 ) من طريق الإمام أحمد , و قال مخرجه الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل
البغدادي :
" هذا حديث حسن عالي الإسناد , و رجاله ثقات " .
و للحديث شاهد من حديث فياض عن عبد الله بن زبيد عن أبي موسى رضي الله عنه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره نحوه .
أخرجه ابن السني ( 343 ) بسند صحيح إلى فياض و هو ابن غزوان الضبي الكوفي قال
أحمد : ثقة . و شيخه عبد الله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي الكوفي .
قال ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 62 ) عن أبيه :
" روى عنه الكوفيون " . و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا .

قلت : فهو مستور , و مثله يستشهد بحديثه إن شاء الله تعالى .
و الحديث قال الهيثمي :
" رواه الطبراني و فيه من لم أعرفه " .

قلت : و كأنه يعني عبد الله بن زبيد , و عليه فكأنه لم يقف على ترجمته في
" الجرح و التعديل " , و لو أنه لم يذكر فيه تعديلا أو تجريحا , فإن العادة أن
لا يقال في مثله " لم أعرفه " , كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم الشريف
.
( تنبيه ) وقع في هامش المجمع تعليقا على الحديث خطأ فاحش , حيث جاء فيه :
" قلت ( القائل هو ابن حجر ) : هذا الحديث أخرجه أبو داود و الترمذي و النسائي
من رواية عبد الجليل بهذا الإسناد , فلا وجه لاستدراكه . ابن حجر " .
و وجه الخطأ أن هذا التعليق ليس محله هذا الحديث , بل هو الحديث الذي في
" المجمع " بعد هذا , فإن هذا لم يروه أحد من أصحاب السنن المذكورين , و ليس في
إسناده عبد الجليل , بل هو في إسناده الحديث الآخر , و هو عن أبي بكرة رضي الله
عنه , فأخطأ الناسخ أو الطابع فربط التعليق بالحديث الأول , و هو للآخر , و خفي
ذلك على الشيخ أحمد شاكر رحمه الله , فإنه بعد أن أشار لهذا الحديث و نقل قول
الهيثمي السابق في تخريج الحديث قال :
" و علق عليه الحافظ ابن حجر بخطه بهامش أصله ... " .
ثم ذكر كلام الحافظ المتقدم !

و جملة القول أن الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده , فكيف إذا انضم إليه
حديث أبي موسى رضي الله عنهما . و قد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية و تلميذه
ابن القيم , هذا و قد صرح بذلك في أكثر من كتاب من كتبه منها " شفاء العليل "
( ص 274 ) , و أما ابن تيمية فلست أذكر الآن في أي كتاب أو رسالة ذكر ذلك .

ساجدة لله
2010-10-11, 11:11 PM
200 " نهى عن الصلاة بعد العصر إلا و الشمس مرتفعة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 341

رواه أبو داود ( 1 / 200 ) و النسائي ( 1 / 97 ) و عنه ابن حزم في " المحلى "
( 3 / 31 ) و أبو يعلى في " مسنده " ( 1 / 119 ) و ابن حبان في " صحيحه "
( 621 , 622 ) و ابن الجارود في " المنتقى " ( 281 ) و البيهقي ( 2 / 458 )
و الطيالسي ( 1 / 75 - من ترتيبه ) و أحمد ( 1 / 129 , 141 ) و المحاملي في
" الأمالي " ( 3 / 95 / 1 ) و الضياء في " الأحاديث المختارة , ( 1 / 258 ,
259 ) عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن # علي # رضي الله عنه مرفوعا .
و قال ابن حزم :
" وهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور , و سائر الرواة أشهر من أن يسأل عنهم , و هذه
زيادة عدل لا يجوز تركها " .
و صرح ابن حزم في مكان آخر ( 2 / 271 ) بصحة هذا عن علي رضي الله عنه و لا شك
في ذلك , و لهذا قال الحافظ العراقي في " طرح التثريب " ( 2 / 187 ) و تبعه
الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 2 / 50 ) : " و إسناده صحيح " .
و أما البيهقي فقد حاد عن الجادة حين قال :
" و وهب بن الأجدع ليس من شرطهما " .

قلت : و هل من شرط صحة الحديث أن يكون على شرط الشيخين ? أو ليس قد صححا أحاديث
كثيرة خارج كتابيهما و ليست على شرطهما ? ! ثم قال :
" و هذا حديث واحد , و ما مضى في النهي عنهما ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد ,
فهو أولي أن يكون محفوظا " .

قلت : كلاهما محفوظ , و إن كان ما رواه العدد أقوى , و لكن ليس من أصول أهل
العلم , رد الحديث القوي لمجرد مخالفة ظاهرة لما هو أقوى منه مع إمكان الجمع
بينهما ! و هو كذلك هنا , فإن هذا الحديث مقيد للأحاديث التي أشار إليها
البيهقي كقوله صلى الله عليه وسلم :
" و لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " متفق عليه .
فهذا مطلق , يقيده حديث علي رضي الله عنه , و إلى هذا أشار ابن حزم رحمه الله
بقوله المتقدم :
" و هذه زيادة عدل لا يجوز تركها " .
ثم قال البيهقي :
" و قد روي عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا . و روي ما يوافقه " .
ثم ساق هو و الضياء في " المختارة " ( 1 / 185 ) من طريق سفيان قال : أخبرني
أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة ,
إلا الفجر و العصر " .

قلت : و هذا لا يخالف الحديث الأول إطلاقا , لأنه إنما ينفي أن يكون النبي
صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد صلاة العصر , و الحديث الأول لا يثبت ذلك
حتى يعارض بهذا , و غاية ما فيه أنه يدل على جواز الصلاة بعد العصر إلى ما قبل
اصفرار الشمس , و ليس يلزم أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم كل ما أثبت جوازه
بالدليل الشرعي كما هو ظاهر .
نعم قد ثبت عن أم سلمة و عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى
ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر , و قالت عائشة : إنه صلى الله عليه
وسلم داوم عليها بعد ذلك , فهذا يعارض حديث علي الثاني , و الجمع بينهما سهل ,
فكل حدث بما علم , و من علم حجة على من لم يعلم , و يظهر أن عليا رضي الله عنه
علم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث , فقد ثبت عنه صلاته صلى
الله عليه وسلم بعد العصر و ذلك قول البيهقي :
" و أما الذي يوافقه ففيما أخبرنا ... " ثم ساق من طريق شعبة عن أبي إسحاق
عن عاصم بن ضمرة قال :
" كنا مع علي رضي الله عنه في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل فسطاطه و أنا
أنظر , فصلى ركعتين " .
ففي هذا أن عليا رضي الله عنه عمل بما دل عليه حديثه الأول من الجواز .
و روى ابن حزم ( 3 / 4 ) عن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس " .

قلت : و إسناده صحيح , و هو شاهد قوي لحديث علي رضي الله عنهم .
و أما الركعتان بعد العصر , فقد روى ابن حزم القول بمشروعيتهما عن جماعة من
الصحابة , فمن شاء فليرجع إليه .
و ما دل عليه الحديث من جواز الصلاة و لو نفلا بعد صلاة العصر و قبل اصفرار
الشمس هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثرت الأقوال فيها ,
و هو الذي ذهب إليه ابن حزم تبعا لابن عمر رضي الله عنه كما ذكره الحافظ
العراقي و غيره , فلا تكن ممن تغره الكثرة , إذا كانت على خلاف السنة .

ثم وجدت للحديث طريقا أخرى عن علي رضي الله عنه بلفظ :
( لا تصلوا بعد العصر , إلا أن تصلوا و الشمس مرتفعة ) .
أخرجه الإمام أحمد ( 1 / 130 ) : حدثنا إسحاق بن يوسف : أخبرنا سفيان عن أبي
إسحاق عن عاصم عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
فذكره :

قلت : و هذا سند جيد , رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم و هو ابن ضمرة
السلولي و هو صدوق . كما في " التقريب " .

قلت : فهذه الطريق مما يعطي الحديث قوة على قوة , لاسيما و هي من طريق عاصم
الذي روى عن علي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي بعد العصر ,
فادعى البيهقي من أجل هذه الرواية إعلال الحديث , و أجبنا عن ذلك بما تقدم , ثم
تأكدنا من صحة الجواب حين وقفنا على الحديث من طريق عاصم أيضا . فالحمد لله على
توفيقه .
ثم وجدت له شاهدا حسنا من حديث أنس , سيأتي برقم ( 308 ) .

ساجدة لله
2010-10-11, 11:12 PM
201 " من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه , ما كان
يبول إلا قاعدا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 345 :

أخرجه النسائي ( 1 / 11 ) و الترمذي ( 1 / 17 ) و ابن ماجه ( 1 / 130 )
و الطيالسي ( 1 / 45 من ترتيبه ) كلهم عن شريك بن المقدام عن شريح عن أبيه عن
# عائشة # قالت ... فذكره .
و قال الترمذي :
" حديث عائشة أحسن شيء في الباب و أصح " .

قلت ... و هذا ليس معناه تحسين الحديث بله تصحيحه كما هو معروف في علم المصطلح
و كأن ذلك لضعف شريك القاضي , و لكنه لم ينفرد به . بل تابعه سفيان الثوري عن
المقدام بن شريح به .
أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " ( 1 / 198 ) و الحاكم ( 1 / 181 ) و البيهقي
( 1 / 101 ) و أحمد ( 1 / 136 , 192 , 213 ) من طرق عن سفيان به .
و قال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " , و وافقه الذهبي , و فيه نظر , فإن المقدام ابن شريح
و أبوه لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم وحده .
و قال الذهبي في " المهذب " ( 1 / 22 / 2 ) : " سنده صحيح " .
فتبين مما سبق أن الحديث صحيح بهذه المتابعة , و قد خفيت على الترمذي فلم يصحح
الحديث , و ليس ذلك غريبا , و لكن الغريب أن يخفى ذلك على غير واحد من الحفاظ
المتأخرين , أمثال العراقي و السيوطي و غيرهما , فأعلا الحديث بشريك , و ردا
على الحاكم تصحيحه إياه متوهمين أنه عنده من طريقه , و ليس كذلك كما عرفت ,
و كنت اغتررت بكلامهم هذا لما وضعت التعليق على " مشكاة المصابيح " , و كان
تعليقا سريعا اقتضته ظروف خاصة , لم تساعدنا على استقصاء طرق الحديث كما هي
عادتنا , فقلت في التعليق على هذا الحديث من " المشكاة " ( 365 ) .
" و إسناده ضعيف فيه شريك , و هو ابن عبد الله القاضي و هو سيء الحفظ " .
و الآن أجزم بصحة الحديث للمتابعة المذكورة . و نسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا
بتقصيرنا .

قلت آنفا : اغتررنا بكلام العراقي و السيوطي , و ذلك أن الأخير قال في " حاشيته
على النسائي " ( 1 / 12 ) .
" قال الشيخ ولي الدين ( هو العراقي ) : هذا الحديث فيه لين , لأن فيه شريكا
القاضي و هو متكلم فيه بسوء الحفظ , و ما قال الترمذي : إنه أصح شيء في هذا
الباب لا يدل على صحته , و لذلك قال ابن القطان : إنه لا يقال فيه : صحيح ,
و تساهل الحاكم في التصحيح معروف , و كيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري
لم يخرج لشريك بالكلية , و مسلم خرج له استشهادا , لا احتجاجا " .
نقله السيوطي و أقره ! ثم تتابع العلماء على تقليدهما كالسندي في حاشيته على
النسائي , ثم الشيخ عبد الله الرحماني المباركفوري في " مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح " ( 1 / 253 ) , و غيرهم , و لم أجد حتى الآن من نبه على أوهام
هؤلاء العلماء , و لا على هذه المتابعة , إلا أن الحافظ رحمه الله كأنه أشار
إليها في " الفتح " ( 1 / 382 ) حين ذكر الحديث : و قال :
" رواه أبو عوانة في " صحيحه " و " الحاكم " .
فاقتصر في العزو عليهما لأنه ليس في طريقهما شريك , بخلاف أصحاب " السنن "
و لذلك لم يعزه إليهم , و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن
هدانا الله .
و اعلم أن قول عائشة إنما هو باعتبار علمها , و إلا فقد ثبت في " الصحيحين "
و غيرهما من حديث حذيفة رضي الله عنه قال :
" أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما " .
و لذلك فالصواب جواز البول قاعدا و قائما , و المهم أمن الرشاش , فبأيهما حصل
وجب .
و أما النهي عن البول قائما فلم يصح فيه حديث , مثل حديث " لا تبل قائما " و قد
تكلمت عليه في " الأحاديث الضعيفة " رقم ( 938 ) .

ساجدة لله
2010-10-11, 11:13 PM
202 " إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " و في رواية "
غزا نبي من الأنبياء , فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة , و هو
يريد أن يبني بها , و لما يبن " بها " , و لا آخر قد بنى بنيانا , و لما يرفع
سقفها , و لا آخر قد اشترى غنما أو خلفات , و هو منتظر ولادها , قال : فغزا ,
فأدنى للقرية حين صلاة العصر , أو قريبا من ذلك , " و في رواية : فلقي العدو
عند غيبوبة الشمس " , فقال للشمس : أنت مأمورة , و أنا مأمور , اللهم احبسها
علي شيئا , فحبست عليه , حتى فتح الله عليه , " فغنموا الغنائم " , قال :
فجمعوا ما غنموا , فأقبلت النار لتأكله , فأبت أن تطعمه " و كانوا إذا غنموا
الغنمية بعث الله تعالى عليها النار فأكلتها " فقال : فيكم غلول , فليبايعني من
كل قبيلة رجل , فبايعوه , فلصقت يد رجل بيده , فقال : فيكم الغلول , فلتبايعني
قبيلتك , فبايعته , قال : فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة " يده " , فقال : فيكم
الغلول , أنتم غللتم , " قال : أجل قد غللنا صورة وجه بقرة من ذهب " , قال :
فأخرجوه له مثل رأس بقرة من ذهب , قال : فوضعوه في المال , و هو بالصعيد ,
فأقبلت النار فأكلته , فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا , ذلك بأن الله تبارك
و تعالى رأى ضعفنا و عجزنا فطيبها لنا , " و في رواية " فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم عند ذلك : إن الله أطعمنا الغنائم رحمة بنا و تخفيفا , لما علم
من ضعفنا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 348 :

هذا حديث صحيح جليل , مما حفظه لنا أبو هريرة رضي الله عنه و له عنه أربع طرق :

الأولى : قال الإمام أحمد ( 2 / 325 ) . حدثنا أسود بن عامر , حدثنا أبو بكر عن
هشام عن ابن سيرين عن # أبي هريرة # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
.... فذكر الرواية الأولى .
و هكذا أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 10 ) من طريقين آخرين عن الأسود
بن عامر به .

قلت : و هذا إسناد جيد , رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين عدا أبا بكر و هو
ابن عياش , فإنه من رجال البخاري وحده , و فيه كلام , لا ينزل به حديثه عن
رتبة الحسن , و أحسن ما قرأت فيه قول ابن حبان في ترجمته من " الثقات "
( 2 / 324 ) :
" كان أبو بكر من الحفاظ المتقنين , و كان يحيى القطان , و ابن المديني يسيئان
الرأي فيه , و ذلك أنه لما كبر سنه , ساء حفظه , فكان يهم إذا روى , و الخطأ
و الوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر , فلو كثر الخطأ حتى كان غالبا على صوابه
لاستحق مجانبة رواياته , فأما عند الوهم يهم , أو الخطأ يخطىء , لا يستحق ترك
حديثه بعد تقدم عدالته و صحة سماعه " . ثم قال :
" و الصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه , و الاحتجاج بما يرويه , سواء
وافق الثقات " أولا " , لأنه داخل في جملة أهل العدالة , و من صحت عدالته لم
يستحق القدح و لا الجرح , إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح .
و هذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته , و تيقن خطؤه " .

قلت : و لهذا صرح الحافظ ابن حجر في " الفتح " بصحة هذا السند , ثم قال
( 6 / 154 ) :
" فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح " .
و سبقه إلى نحوه الحافظ ابن كثير كما سيأتي , و كذا الذهبي كما في " تنزيه
الشريعة " ( 1 / 379 ) .

الطريق الثانية : قال الإمام أحمد أيضا ( 2 / 318 ) :
" حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .... فذكر أحاديث كثيرة فوق المائة بهذا
الإسناد , هذا الحديث أحدها , و هي جميعها في " صحيفة همام بن منبه " التي
رواها أبو الحسن أحمد ابن يوسف السلمي عن عبد الرزاق به , و هذا الحديث فيها
برقم ( 123 ) .
و قد أخرجه مسلم في " صحيحه " ( 5 / 145 ) من طريق محمد بن رافع :
حدثنا عبد الرزاق به بالرواية الثانية , و اللفظ لمسلم .
ثم أخرجه هو و البخاري في " صحيحه " ( 6 / 154 - 156 , 9 / 193 بشرح
" الفتح " ) عن عبد الله بن المبارك عن معمر به .

الطريق الثالثة : قال الطحاوي ( 2 / 10 - 11 ) :
" حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ , حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة
يعني القواريري , حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة به مثل الرواية الثانية , و فيها أكثر الزيادات التي جعلناها بين
القوسين ( ) .
و هذا سند صحيح , رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسماعيل هذا .
قال ابن أبي حاتم ( 3 / 2 / 190 ) :
" سمعت منه بمكة , و هو صدوق " .
و هذه الطريق عزاها الحافظ ( 6 / 155 ) للنسائي و أبي عوانة و ابن حبان .

الطريق الرابعة : أخرجها الحاكم ( 2 / 129 ) عن مبارك بن فضالة عن عبيد الله
ابن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثل الرواية الثانية , و زاد في آخره :
" فقال كعب : صدق الله و رسوله , هكذا و الله في كتاب الله , يعني في التوراة ,
ثم قال : يا أبا هريرة أحدثكم النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي كان ? قال : لا
قال كعب : هو يوشع بن نون , قال : فحدثكم أي قرية هي ? قال : لا , قال : هي
مدينة أريحا " .
و قال الحاكم :
" حديث غريب صحيح " . و وافقه الذهبي !
كذا قالا , و مبارك بن فضالة مدلس و قد عنعنه , فليس إسناده صحيحا , بل و لا
حسنا , و من هذه الطريق رواه البزار أيضا , كما في " البداية و النهاية " لابن
كثير ( 1 / 324 ) .
ثم إن في هذه الطريق نكارة واضحة , و هي في هذه الزيادة , فإن فيها تسميته
النبي بـ ( يوشع ) موقوفا على كعب , و هي في الرواية الأولى مرفوعة إلى النبي
صلى الله عليه وسلم .
و فيها تسمية المدينة بـ ( أريحا ) , و في الرواية الأولى أنها بيت المقدس
و هذا هو الصواب , و من الغريب أن يغفل عن هذا الحافظ ابن حجر , فيقول في تفسير
( القرية ) المذكورة في رواية " الصحيحين " :
" هي أريحا , بفتح الهمزة و كسر الراء , بعدها تحتانية ساكنة و مهملة مع القصر
سماها الحاكم في روايته عن كعب " .
فغفل عما ذكرنا من تسميتها بـ " بيت المقدس " في الحديث المرفوع مع أنه قد ذكره
قبيل ذلك في كتابه و صححه كما نقلته عنه آنفا .
و قد تنبه لذلك الحافظ ابن كثير , فإنه بعد أن نقل عن أهل الكتاب أن حبس الشمس
ليوشع وقع في فتح ( أريحا ) قال ( 1 / 323 ) :
" فيه نظر , و الأشبه - و الله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو
المقصود الأعظم , و فتح ( أريحا ) كان وسيلة إليه " .
ثم استدل على ذلك بالرواية الأولى للحديث , ثم قال بعد أن ساقه من طريق أحمد
وحده :
" انفرد به أحمد من هذا الوجه , و هو على شرط البخاري . و فيه دلالة على أن
الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام لا موسى , و أن حبس الشمس كان
في فتح بيت المقدس لا أريحا لما قلنا " .

غريب الحديث
------------
( بضع امرأة ) . قال الحافظ :
" بضم الموحدة و سكون المعجمة , البضع يطلق على الفرج و التزويج و الجماع
و المعاني الثلاثة لائقة هنا , و يطلق أيضا على المهر و على الطلاق " .
( و لما يبن بها ) أي لم يدخل عليها , لكن التعبير بـ ( لما ) يشعر بتوقع ذلك .
( خلفات ) بفتح المعجمة و كسر اللام بعدها فاء خفيفة جمع ( خلفة ) و هي الحامل
من النوق , و قد يطلق على غير النوق .
( احبسها على شيئا ) هو منصوب نصب المصدر , أي قدر ما تقتضي حاجتنا من فتح
البلد . قال عياض , اختلف في حبس الشمس هنا , فقيل : ردت على أدراجها , و قيل :
وقفت , و قيل : بطئت حركتها . و كل ذلك محتمل , و الثالث أرجح عند ابن بطال
و غيره .

قلت : و أيها كان الأرجح , فالمتبادر من الحبس أن الغرض منه أن يتمكن النبي
يوشع و قومه من صلاة العصر قبل غروب الشمس , و ليس هذا هو المراد , بل الغرض ,
أن يتمكن من الفتح قبل الليل , لأن الفتح كان يوم الجمعة , فإذا دخل الليل دخل
يوم السبت الذي حرم الله عليهم العمل , و هذا إذا صح ما ذكره ابن كثير عن أهل
الكتاب :
" و ذكروا أنه انتهى من محاصرته لها يوم الجمعة بعد العصر , فلما غربت الشمس
أو كادت تغرب , و يدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم و شرع لهم ذلك الزمان ...
و الله أعلم .

من فوائد الحديث
-----------------
1 - قال المهلب : فيه أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع و محبة البقاء .
لأن من ملك بضع امرأة , و لم يدخل بها , أو دخل بها , و كان على قرب من ذلك ,
فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها , و يجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه
و كذلك غير المرأة من أحوال الدنيا .‎

2 - قال ابن المنير : يستفاد منه الرد على العامة في تقديمهم الحج على الزواج ,
ظنا منهم أن التعفف إنما يتأكد بعد الحج , بل الأولى أن يتعفف ثم يحج .
قلت : و قد روي في موضوع الحج قبل الزواج أو بعده حديثان كلاهما عن أبي هريرة
مرفوعا , و لكنهما موضوعان , كما بينته في " سلسلة الأحاديث الضعيفة "
( رقم 221 - 222 ) .

3 - و فيه أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع عليه السلام , ففيه إشارة إلى ضعف
ما يروى أنه وقع ذلك لغيره , و من تمام الفائدة أن أسوق ما وقفنا عليه من ذلك :

1 - ما ذكره ابن إسحاق في " المبتدأ " من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه
أن الشمس حبست لموسى عليه السلام لما حمل تابوت يوسف صلى الله عليه وسلم .

قلت : و هذا موقوف , و الظاهر أنه من الإسرائيليات . و قصة نقل موسى لعظام يوسف
عليهما السلام من قبره في مصر في " المستدرك " ( 2 / 571 - 572 ) بسند صحيح عنه
صلى الله عليه وسلم و ليس فيها ذكر لحبس الشمس .

2 - أنها حبست لداود عليه السلام .
أخرجه الخطيب في " ذم النجوم " له من طريق أبي حذيفة , و ابن إسحاق في
" المبتدأ " بإسناد له عن علي موقوفا مطولا .
قال الحافظ :
و إسناده ضعيف جدا , و حديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى , فإن رجال
إسناده محتج بهم في الصحيح , فالمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع " .

3 - أنها حبست لسليمان بن داود عليهما السلام , في قصة عرضه للخيل , و قوله
الذي حكاه الله عنه في القرآن : " ردوها علي " .
رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس . قال الحافظ :
" و هذا لا يثبت عن ابن عباس و لا عن غيره , و الثابت عن جمهور أهل العلم
بالتفسير من الصحابة و من بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله : ( ردوها علي )
للخيل . و الله أعلم " .

4 - ما حكاه عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا
عن صلاة العصر حتى غربت الشمس , فردها الله عليه حتى صلى العصر .
قال الحافظ :
" كذا قال ! و عزاه للطحاوي , و الذي رأيته في " مشكل الآثار " للطحاوي ما قدمت
ذكره من حديث أسماء " .

قلت : و يأتي حديث أسماء قريبا إن شاء الله تعالى . و قصة انشغاله صلى الله
عليه وسلم عن صلاة العصر في " الصحيحين " و غيرهما و ليس فيها ذكر لرد الشمس
عليه صلى الله عليه وسلم , انظر " نصب الراية " ( 2 / 164 ) .

5 - و من هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في " مغازي ابن إسحاق "
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر قريشا صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي
لهم و أنها تقدم مع شروق الشمس , فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير .

قلت : و هذا معضل , و أما الحافظ فقال :
" و هذا منقطع , لكن وقع في " الأوسط " للطبراني من حديث جابر أن النبي
صلى الله عليه وسلم أم ط SB Univers

ساجدة لله
2010-10-11, 11:13 PM
203 " افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة , و تفرقت النصارى على إحدى
أو اثنتين و سبعين فرقة , و تفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 356 :

أخرجه أبو داود ( 2 / 503 - طبع الحلبي ) و الترمذي ( 3 / 367 ) و ابن ماجه
( 2 / 479 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 1834 ) و الآجري في " الشريعة "
( ص 25 ) و الحاكم ( 1 / 128 ) و أحمد ( 2 / 332 ) و أبو يعلى في " مسنده "
( ق 280 / 2 ) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن # أبي هريرة # مرفوعا به
.
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .

قلت : و فيه نظر فإن محمد بن عمرو , فيه كلام و لذلك لم يحتج به مسلم , و إنما
روى له متابعة , و هو حسن الحديث , و أما قول الكوثري في مقدمة " التبصير في
الدين " ( ص 5 ) أنه لا يحتج به إذا لم يتابع , فمن مغالطاته , أو مخالفاته
المعروفة , فإن الذي استقر عليه رأي المحدثين من المحققين الذين درسوا أقوال
الأئمة المتقدمين فيه أنه حسن الحديث يحتج به , من هؤلاء النووي و الذهبي
و العسقلاني و غيره . على أن الكوثري إنما حاول الطعن في هذا الحديث لظنه أن
فيه الزيادة المعروفة بلفظ : " كلها في النار إلا واحدة " , و هو ظن باطل ,
فإنها لم ترد في شيء من المصادر التي وقفت عليها من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه من هذا الوجه عنه .
و قد ذكره السيوطي في " الجامع الصغير " كما أوردته بدون الزيادة , و لكنه عزاه
لأصحاب " السنن " الأربعة , و هذا وهم آخر , فإن النسائي منهم و لم يخرجه ,
و قد نص على ذلك كله الحافظ في " تخريج الكشاف " ( 4 / 63 ) بقوله :
" رواه أصحاب " السنن " إلا النسائي من رواية أبي هريرة دون قوله :
( كلها الخ ) " .
و الكوثري إنما اغتر في ذلك بكلام السخاوي على الحديث في " المقاصد الحسنة "
( ص 158‎) فإنه ذكره من حديثه بهذه الزيادة , و عزاه للثلاثة و ابن حبان
و الحاكم ! و أما العجلوني في " الكشف " فقد قلد أصله " المقاصد " فيها ,
و لكنه اقتصر في العزو على ابن ماجه و ابن حبان و الحاكم . و كل ذلك وهم نشأ
من التقليد و عدم الرجوع إلى الأصول , و ممن وقع في هذا التقليد مع أنه كثير
التنديد به العلامة الشوكاني فإنه أورده في " الفوائد المجموعة " بهذه الزيادة
و قال ( 502 ) :
" قال في " المقاصد " : حسن صحيح , و روي عن أبي هريرة و سعد و ابن عمر و أنس
و جابر و غيرهم " .
و هذا منه تلخيص لكلام " المقاصد " , و إلا فليس هذا لفظه , و لا قال : حسن
صحيح , و إنما هو قول الترمذي كما تقدم , و قد نقله السخاوي عنه و أقره ,‎
و لذلك استساغ الشوكاني جعله من كلامه , و هو جائز لا غبار عليه . و إذا كان
كذلك فالشوكاني قد قلد أيضا الحافظ السخاوي في كلامه على هذا الحديث مع ما فيه
من الخطأ . و العصمة لله وحده .
على أن للشوكاني في هذا المقام خطأ آخر أفحش من هذا . و هو تضعيفه في
" تفسيره " لهذه الزيادة مقلدا أيضا في ذلك غيره , مع أنها زيادة صحيحة ,
و ردت عن غير واحد من الصحابة بأسانيد جيدة كما قال بعض الأئمة , و إن تجاهل
ذلك كله الكوثري اتباعا منه للهوى , و إلا فمثله لا يخفى عليه ذلك , و الله
المستعان .
و قد وردت الزيادة المشار إليها من حديث معاوية رضي الله عنه , و هذا لفظه :
" ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة , و إن هذه
الملة ستفترق على ثلاث و سبعين , ثنتان و سبعون في النار , و واحدة في الجنة ,
و هي الجماعة " .

ساجدة لله
2010-10-11, 11:15 PM
204 " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة , و إن هذه
الملة ستفترق على ثلاث و سبعين , ثنتان و سبعون في النار , و واحدة في الجنة ,
و هي الجماعة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 358 :

أخرجه أبو داود ( 2 / 503 - 504 ) , و الدارمي ( 2 / 241 ) و أحمد ( 4 / 102 )
و كذا الحاكم ( 1 / 128 ) و الآجري في " الشريعة " ( 18 ) و ابن بطة في
" الإبانة " ( 2 / 108 / 2 , 119 / 1 ) و اللالكائي في " شرح السنة "
( 1 / 23 / 1 ) من طريق صفوان قال : حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني عن
أبي عامر عبد الله بن لحي عن # معاوية بن أبي سفيان # أنه قام فينا فقال : ألا
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال .... فذكره .
و قال الحاكم و قد ساقه عقب أبي هريرة المتقدم :
" هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث " . و وافقه الذهبي .
و قال الحافظ في " تخريج الكشاف " ( ص 63 ) : " و إسناده حسن " .

قلت : و إنما لم يصححه , لأن أزهر بن عبد الله هذا لم يوثقه غير العجلي
و ابن حبان و لما ذكر الحافظ في " التهذيب " قول الأزدي : " يتكلمون فيه " ,
تعقبه بقوله :
" لم يتكلموا إلا في مذهبه " . و لهذا قال في " التقريب " .
" صدوق , تكلموا فيه للنصب " .
و الحديث أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ( 1 / 390 ) من رواية أحمد , و لم
يتكلم على سنده بشيء , و لكنه أشار إلى تقويته بقوله :
" و قد ورد هذا الحديث من طرق " .
و لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " المسائل " ( 83 / 2 ) .
" هو حديث صحيح مشهور " . و صححه أيضا الشاطبي في " الاعتصام " ( 3 / 38 ) .
و من طرق الحديث التي أشار إليها ابن كثير , و فيها الزيادة , ما ذكره الحافظ
العراقي في " تخريج الإحياء " ( 3 / 199 ) قال :
" رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو و حسنه , و أبو داود من حديث معاوية ,
و ابن ماجه من حديث أنس و عوف بن مالك , و أسانيدها جياد " .

قلت : و لحديث أنس طرق كثيرة جدا تجمع عندي منها سبعة , و فيها كلها الزيادة
المشار إليها , مع زيادة أخرى يأتي التنبيه عليها , و هذه هي :

الطريق الأولى : عن قتادة عنه .
أخرجه ابن ماجة ( 2 / 480 ) , و قال البوصيري في " الزوائد " :
" إسناده صحيح , رجاله ثقات " .

قلت : و في تصحيحه نظر عندي لا ضرورة لذكره الآن , فإنه لا بأس به في الشواهد .

الثانية : عن العميري عنه .
أخرجه أحمد ( 3 / 120 ) , و العميري هذا لم أعرفه , و غالب الظن أنه محرف من
( النميري ) و اسمه زياد بن عبد الله فقد روى عن أنس , و عنه صدقة بن يسار ,
و هو الذي روى هذا الحديث عنه , و النميري ضعيف , و بقية رجاله ثقات .

الثالثة : عن ابن لهيعة حدثنا خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عنه . و زاد :
" قالوا : يا رسول الله من تلك الفرقة ? قال : الجماعة الجماعة " .
أخرجه أحمد أيضا ( 3 / 145 ) و سنده حسن في الشواهد .

الرابعة : عن سلمان أو سليمان بن طريف عنه .
أخرجه الآجري في " الشريعة " ( 17 ) و ابن بطة في " الإبانة " ( 2 / 118 / 2 )
و ابن طريف هذا لم أجد له ترجمة .

الخامسة : عن سويد بن سعيد قال : حدثنا مبارك بن سحيم عن عبد العزيز ابن صهيب
عن أنس .
أخرجه الآجري , و سويد ضعيف , و أخرجه ابن بطة أيضا , و لكني لا أدري إذا كان
من هذا الوجه أو من طريق آخر عن عبد العزيز فإن كتابه بعيد عني الآن .

السادسة : عن أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس به .
و فيه الزيادة .‎
أخرجه الآجري ( 16 ) . و أبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي و هو ضعيف .
و من طريقه رواه ابن مردويه كما في " تفسير ابن كثير " ( 2 / 76 - 77 ) .

السابعة : عن عبد الله بن سفيان المدني عن يحيى بن سعيد الأنصاري عنه .
و فيه الزيادة بلفظ : " قال : ما أنا عليه و أصحابي " .
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " ( ص 207 - 208 ) و الطبراني في " الصغير "
( 150 ) و قال :
" لم يروه عن يحيى إلا عبد الله بن سفيان " .
و قال العقيلي : " لا يتابع على حديثه " .

قلت : و هو على كل حال خير من الأبرد بن أشرس فإنه روى هذا الحديث أيضا عن يحيى
بن سعيد به , فإنه قلب متنه , و جعله بلفظ :
" تفترق أمتي على سبعين أو إحدى و سبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة ,
قالوا : يا رسول الله من هم ? قال : الزنادقة و هم القدرية " .
أورده العقيلي أيضا و قال :
" ليس له أصل من حديث يحيى بن سعيد " و قال الذهبي في " الميزان " :
" أبرد بن أشرس قال ابن خزيمة : كذاب و ضاع " .

قلت : و قد حاول بعض ذوي الأهواء من المعاصرين تمشية حال هذا الحديث بهذا اللفظ
الباطل , و تضعيف هذا الحديث الصحيح , و قد بينت وضع ذاك في " سلسلة الأحاديث
الضعيفة " رقم ( 1035 ) , و الغرض الآن إتمام الكلام على هذا اللفظ الصحيح ,
فقد تبين بوضوح أن الحديث ثابت لا شك فيه , و لذلك تتابع العلماء خلفا عن سلف
على الاحتجاج به حتى قال الحاكم في أول كتابه " المستدرك " : " إنه حديث كبير
في الأصول " و لا أعلم أحدا قد طعن فيه , إلا بعض من لا يعتد بتفرده و شذوذه ,
أمثال الكوثري الذي سبق أن أشرنا إلى شيء من تنطعه و تحامله على الطريق الأولى
لهذا الحديث , التي ليس فيها الزيادة المتقدمة : " كلها في النار " , جاهلا بل
متجاهلا حديث معاوية و أنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت . و ليته لم يقتصر
على ذلك إذن لما التفتنا إليه كثيرا , و لكنه دعم رأيه بالنقل عن بعض الأفاضل ,
ألا و هو العلامة ابن الوزير اليمني , و ذكر أنه قال في كتابه : " العواصم
و القواصم " ما نصه :
" إياك أن تغتر بزيادة " كلها في النار إلا واحدة " فإنها زيادة فاسدة , و لا
يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة . و قد قال ابن حزم : إن هذا الحديث لا يصح " .
وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات . ثم أوقفني بعض الطلاب في " الجامعة الإسلامية
" على قول الشوكاني في تفسيره " فتح القدير " ( 2 / 56 ) :
" قال ابن كثير في تفسيره : و حديث افتراق الأمم إلى بضع و سبعين , مروي من طرق
عديدة , قد ذكرناها في موضع آخر . انتهى . قلت : أما زيادة كونها في النار إلا
واحدة " فقد ضعفها جماعة من المحدثين ( ! ) , بل قال ابن حزم : إنها موضوعة " .
و لا أدري من الذين أشار إليهم بقوله : " جماعة ... " فإني لا أعلم أحدا من
المحدثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة , بل إن الجماعة قد صححوها و قد سبق ذكر
أسمائهم , و أما ابن حزم فلا أدري أين ذكر ذلك , و أول ما يتبادر للذهن أنه في
كتابه " الفصل في الملل و النحل " و قد رجعت إليه , و قلبت مظانه فلم أعثر عليه
ثم إن النقل عنه مختلف , فابن الوزير قال عنه : " لا يصح " , و الشوكاني قال
عنه : " إنها موضوعة " , و شتان بين النقلين كما لا يخفى , فإن صح ذلك عن ابن
حزم , فهو مردود من وجهين :

الأول : أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة , فلا عبرة بقول من
ضعفها .
و الآخر : أن الذين صححوها أكثر و أعلم بالحديث من ابن حزم , لاسيما و هو معروف
عند أهل العلم بتشدده في النقد , فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم
المخالفة فكيف إذا خالف ?‎!
و أما ابن الوزير , فكلامه الذي نقله الكوثري يشعر بأنه لم يطعن في الزيادة من
جهة إسنادها , بل من حيث معناها , و ما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى
لامكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه . و كيف يستطاع الجزم
بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة و العلماء من مختلف الطبقات بالقبول و صرحوا
بصحته , هذا يكاد يكون مستحيلا !
و إن مما يؤيد ما ذكرته أمرين :
الأول : أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا , ألا و هو كتابه
القيم : " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " فقد عقد فيه فصلا خاصا في
الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة و ردوا أحاديثهم , و منهم معاوية رضي الله عنه ,
فسرد ما له من الأحاديث في كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من
الصحابة لم تطعن فيه الشيعة , فكان هذا الحديث منها !
الأمر الآخر : أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممن نقطع أنه وقف على كتب
ابن الوزير , ألا و هو الشيخ صالح المقبلي , قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد
من جهة ثبوته و معناه , و قد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك
إلى ابن الوزير . و أنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من
جهة السند , و إنما من قبل استشكال معناه , و أرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار
إليه لما فيه من الفوائد . قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار
الحق على الآباء و المشايخ " ( ص 414 ) :
" حديث افتراق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة , رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا
بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها . ( ثم ذكر حديث معاوية هذا , و حديث ابن
عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي و حسنه الترمذي ثم قال : )
و الإشكال في قوله : " كلها في النار إلا ملة " , فمن المعلوم أنهم خير الأمم ,
و أن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة , مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء
في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث , فكيف يتمشى هذا ? فبعض الناس تكلم في
ضعف هذه الجملة , و قال : هي زيادة غير ثابتة . و بعضهم تأول الكلام . قال :
و من المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف ,
فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة . إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة
مستقلة ابتدعها . و إذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل , و فيما
يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر , و لكنها لم تخص معينا من هذه الفرق
التي قد تحزبت و التأم بعضهم إلى قوم و خالف آخرون بحسب مسائل عديدة .
ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته :
" إن الناس عامة و خاصة , فالعامة آخرهم كأولهم , كالنساء و العبيد و الفلاحين
و السوقة و نحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء , فلا شك في براءة آخرهم من
الابتداع كأولهم .
و أما الخاصة , فمنهم مبتدع اخترع البدعة و جعلها نصب عينيه , و بلغ في تقويتها
كل مبلغ , و جعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب و السنة , ثم تبعه أقوام من
نمطه في الفقه و التعصب , و ربما جددوا بدعته و فرعوا عليها و حملوه ما لم
يتحمله , و لكنه إمامهم المقدم و هؤلاء هم المبتدعة حقا , و هو شيء كبير ( تكاد
السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا ) , كنفي حكمة الله تعالى ,
و نفي إقداره المكلف , و ككونه يكلف ما لا يطاق , و يفعل سائر القبائح و لا
تقبح منه , و أخواتهن ! و منها ما هو دون ذلك , و حقائقها جميعها عند الله
تعالى , و لا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث و سبعين فرقة .
و من الناس من تبع هؤلاء و ناصرهم و قوى سوادهم بالتدريس و التصنيف , و لكنه
عند نفسه راجع إلى الحق , و قد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه
خفي , و لعله تخيل مصلحة دنيئة , أو عظم عليه انحطاط نفسه و إيذاؤهم له في عرضه
و ربما بلغت الأذية إلى نفسه . و على الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل , و
تخبط في تصرفاته , و حسابه على الله سبحانه , إما أن يحشره مع من أحب بظاهر
حاله , أو يقبل عذره , و ما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك ,
لكن شرهم و الله كثير , فلربما لم يقع خبرهم بمكان , و ذلك لأنه لا يفطن لتلك
اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث , و قد أغناهم الله
بعلمهم عن تلك اللمحة , و ليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق
و يخفيه . و الله المستعان .
و من الناس من ليس من أهل التحقيق , و لا هيء للهجوم على الحقائق , و قد تدرب
في كلام الناس , و عرف أوائل الأبحاث , و حفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه و لكن
أرواح الأبحاث بينه و بينها حائل . و قد يكون ذلك لقصور الهمة و الاكتفاء
و الرضا عن السلف لوقعهم في النفوس . و هؤلاء هم الأكثرون عددا , و الأرذلون
قدرا , فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة , و لا أدركوا سلامة العامة . فالقسم
الأول من الخاصة مبتدعة قطعا . و الثاني ظاهره الابتداع , و الثالث له حكم
الابتداع .
و من الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين , و قليل من الآخرين , أقبلوا على الكتاب
و السنة و ساروا بسيرها , و سكتوا عما سكتا عنه , و أقدموا و أحجموا بهما
و تركوا تكلف مالا يعنيهم , و كان تهمهم السلامة , و حياة السنة آثر عندهم من
حياة نفوسهم , و قرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى , و فهم معانيه على
السليقة العربية و التفسيرات المروية , و معرفة ثبوت حديث نبوي لفظا و حكما .
فهؤلاء هم السنية حقا , و هم الفرقة الناجية , و إليهم العامة بأسرهم , و من
شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين , بحسب علمه بقدر بدعتهم و نياتهم .
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك , لم يلزمك السؤال المحذور و هو الهلاك على معظم
الأمة , لأن الأكثر عددا هم العامة قديما و حديثا , و كذلك الخاصة في الأعصار
المتقدمة , و لعل القسمين الأوسطين , و كذا من خفت بدعته من الأول , تنقذهم
رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية , و رحمة ربك أوسع
لكل مسلم , لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث و مصداقة , و أن أفراد الفرق المبتدعة
و إن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين
: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة " .

قلت : و هذا آخر كلام الشيخ المقبلي رحمه الله , و هو كلام متين يدل على علم
الرجل و فضله و دقة نظره , و منه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه
عمدة ابن الوزير رحمه الله في إعلاله إياه . و الحمد لله على أن وفقنا للإبانة
عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده , و إزالة الشبهة عنه من حيث متنه .
و هو الموفق لا إله إلا هو .

ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر ينكر في كتابه " أدب الجاحظ "
( ص 90 ) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ ! فهو يقول : " و لو صح هذا
الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية . إذ يسجل على أغلبيتها
الخلود في الجحيم و لو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة
معتبرا إياهم في حالة ردة ...‎" إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد
عليه , لوضوح بطلانه لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم .
على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث , و إنما أورده الكاتب
المشار إليه من عند نفسه ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث . و هو سالم من ذلك
كله كما بينا و الحمد لله على توفيقه

ساجدة لله
2010-10-11, 11:15 PM
205 " إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم , و خفت أماناتهم و كانوا هكذا : و شبك بين
أصابعه , قال ( الراوي ) : فقمت إليه فقلت له : كيف أفعل عند ذلك جعلني الله
فداك ? قال : الزم بيتك , و املك عليك لسانك , و خذ ما تعرف , و دع ما تنكر ,
و عليك بأمر خاصة نفسك , و دع عنك أمر العامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 368 :

أخرجه أبو داود ( 2 / 438 ) و الحاكم ( 4 / 525 ) و أحمد ( 2 / 212 ) و اللفظ
له عن هلال بن خباب أبي العلاء قال : حدثني # عبد الله بن عمرو # قال :
" بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم , إذ ذكروا الفتنة , أو ذكرت
عنده , قال " فذكره .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و قال المنذري و العراقي : " سنده حسن " .
نقله المناوي في " الفيض " و أقرهما و هو كما قالا , فإن هلالا هذا فيه كلام
يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إلا إذا خولف , و قد توبع على أصل الحديث كما
يأتي .
و الحديث عزاه السيوطي للحاكم وحده بهذا اللفظ . و فيه مؤاخذتان :
الأولى : إيهامه أنه لم يخرجه أحد من أصحاب السنن و لا من هو أعلى طبقة من
الحاكم , و ليس كذلك كما هو بين .
الثانية : إيهامه أيضا أن اللفظ للحاكم و هو لأحمد :
و للحديث عن ابن عمرو ثلاث طرق أخر :

الأول : عن أبي حازم عن عمارة بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عمرو بلفظ :
" كيف بكم و بزمان , أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة , تبقى حثالة
من الناس قد مرجت عهودهم و أماناتهم و اختلفوا فكانوا هكذا : و شبك بين أصابعه
....‎" الحديث مثله دون قوله " الزم بيتك و املك عليك لسانك " .

أخرجه أبو داود ( 2 / 437 - 438 ) و ابن ماجه ( 2 / 467 - 468 ) و الحاكم
( 4 / 435 ) و أحمد ( 2 / 221 ) .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي . و هو كما قالا , فإن رجاله
ثقات معروفون غير عمارة هذا فقد وثقه العجلي و ابن حبان و روى عنه جماعة من
الثقات .

الطريق الثاني : عن أبي حازم أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا .
" يأتي على الناس زمان يغربلون فيه غربلة يبقى منهم حثالة قد مرجت عهودهم ...‎"
الحديث مثل الذي قبله .
أخرجه أحمد ( 2 / 220 ) و سنده حسن .

الطريق الثالث : عن الحسن عن عبد الله بن عمرو قال : قال لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
" كيف أنت إذا بقيت فى حثالة من الناس , قال : قلت : يا رسول الله كيف ذلك ?
قال إذا مرجت عهودهم و أماناتهم ...‎" الحديث مثله .
أخرجه أحمد ( 2 / 162 ) و رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن الحسن البصري في
سماعه من ابن عمرو خلاف , و أيهما كان , فهو مدلس و قد عنعنه .
و مما يلاحظ أن هذه الطرق الثلاث , ليس فيها الزيادة التي فى الطريق التي قبل
هذه " الزم بيتك و املك عليك لسانك " . فالقلب يميل إلى أنها زيادة شاذة لأن
الذي تفرد بها و هو هلال بن خباب فيه كلام كما سبق , فلا يحتج به إذا خالف
الثقات .
نعم قد جاءت هذه الزيادة فى حديث أبي ثعلبة الخشني نحو هذا , لكن لا يصح إسناده
كما بينته فى المائة التي بعد الألف من " الأحاديث الضعيفة " .
و إن مما يؤيد شذوذها أنني وجدت لحديث ابن عمرو هذا شاهدا من حديث أبي هريرة
مثله ليس فيه الزيادة , و لفظه :
" كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم
و أماناتهم , و اختلفوا فصاروا هكذا : و شبك بين أصابعه قال : قلت : يا رسول
الله ما تأمرني ? قال : عليك بخاصتك , و دع عنك عوامهم " .

ساجدة لله
2010-10-11, 11:15 PM
206 " كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم
و أماناتهم , و اختلفوا فصاروا هكذا : و شبك بين أصابعه قال : قلت :
يا رسول الله ما تأمرني ? قال : عليك بخاصتك , و دع عنك عوامهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 370 :

أخرجه الدولابي في " الكنى " ( 2 / 35 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 1849 )
و أبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " ( ق 16 / 2 ) و ابن السماك
في " الأول من الرابع من حديثه " ( 108 ) من طريقين عن العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن # أبي هريرة # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .

قلت : و هذا سند صحيح على شرط مسلم .
و علقه البخاري في صحيحه ( 1 / 548 ) من طريق عاصم بن محمد عن أخيه واقد و هو
ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال :
سمعت أبي و هو يقول : و قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس " .
و وصله إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " , و حنبل بن إسحاق فى " كتاب الفتن "
و أبو يعلى ( ق 267 / 2 ) من هذا الوجه عن ابن عمر به , مثل حديث أبي هريرة
سواء كما في " الفتح " ( 13 / 32 ) . فهو شاهد قوي لحديث أبي هريرة .
و له شاهد آخر من حديث سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوما لعبد الله بن عمرو بن العاص : فذكره .

أخرجه ابن أبي الدنيا في " الأمر بالمعروف " ( ق 55 / 1 ) و ابن شاهين في
" جزء من حديثه " ( ق 210 / 1 - محمودية ) و ابن عدى ( 36 / 1 ) و كذا الطبراني
كما في " الفتح " عن أبي حازم عنه .
و أحد الإسنادين عن أبي حازم عند ابن شاهين حسن .

ساجدة لله
2010-10-11, 11:16 PM
207 " كان يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 370 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 137 ) و ابن عدي ( 245 / 2 ) عن أبي بكر بن نافع البصري
حدثنا عمر بن علي المقدمي عن # هشام بن عروة عن أبيه , قال مرة : عن عائشة #
ثم أوقفه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .... الحديث .
سكت عليه الترمذي , و قال ابن عدي :
" و هذا قد اختلفوا على هشام بن عروة , فمنهم من أوقفه , و منهم من أرسله ,
و منهم من قال " عائشة " . و منهم من قال : " عن أبي هريرة " , و لعمر بن علي
هذا أحاديث حسان , و أرجو أنه لا بأس به " .

قلت : هو في نفسه ثقة , لكنه كان يدلس تدليسا سيئا جدا بحيث يبدو أنه لا يعتد
بحديثه حتى لو صرح بالتحديث كما هو مذكور في ترجمته من " التهذيب " , و لكنه لم
يتفرد به كما يأتي , و بقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين غير أبي بكر بن
نافع و اسمه محمد بن أحمد , فمن أفراد مسلم .
و ممن تابع المقدمي محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة به .
أخرجه ابن عدي ( 300 / 2 ) و قال :
" هذا الحديث ضعيف " .

قلت : بل هو صحيح لما له من المتابعات و الشاهد كما يأتي . و الطفاوي هذا قد
احتج به البخاري و في حفظه ضعف يسير فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى .
و قد تابعه شريك بن عبد الله القاضي أيضا بلفظ :
" كان إذا سمع اسما قبيحا غيره , فمر على قرية يقال لها " عفرة " فسماها
خضرة " .

ساجدة لله
2010-10-11, 11:16 PM
208 " كان إذا سمع اسما قبيحا غيره , فمر على قرية يقال لها " عفرة " فسماها خضرة
" .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 371 :

أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " ( ص 70 ) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق
حدثنا # شريك # به . و قال :
" لم يروه عن شريك إلا إسحاق " .

قلت : و هو ثقة . و كذلك سائر الرواة , غير أن شريكا في حفظه ضعف , لكن قد توبع
في بعضه , أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2 / 344 ) من طريق عبدة بن
سليمان عن هشام بن عروة به بلفظ :
" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأرض تسمى عزرة فسماها خضرة " .

قلت : و هذا سند صحيح , و هو يدل على أن من أرسله و لم يذكر فيه عائشة أنه قصر
.
و عزاه الهيثمي ( 8 / 51 ) لأبي يعلى و الطبراني في الأوسط و قال :
" و رجال أبي يعلى رجال الصحيح " , و قال في طريق " المعجم الصغير " :
" و رجاله رجال الصحيح " .
كذا قال , و شريك إنما أخرج له مسلم مقرونا بغيره .

( تنبيه ) : " عزرة " كذا في الطحاوي بالزاي , و في " المجمع " :
" عذرة " بالذال و لعله الصواب .
و للحديث شاهد صحيح بلفظ :
" كان إذا أتاه الرجل و له اسم لا يحبه حوله " .